ابن ميثم البحراني
396
شرح نهج البلاغة
وقوله ، واستودعهم . إلى قوله : خلف . إشارة إلى الأنبياء عليهم السّلام القائمين بدين اللَّه . واعلم أنّ دين اللَّه واحد بعثت جميع الأنبياء لتسليك الخلق إيّاه وله أصل وفروع فأصله الطريق إلى معرفته ، والاستكمال بها ، وجماع مكارم الأخلاق ، ونظام أمر الخلق في معاشهم ومعادهم وهذه الأمور هي المرآة من الشرع وهو أصل لا يخالف فيه نبيّ نبيّا . فأمّا الاختلاف الواقعة في الشرائع فهي أمور جزئيّة بحسب مصالح جزئيّة يتعلَّق بوقت الرسول المعيّن وحال الخلق المرسل إليهم يوقع عليها ذلك الأصل ، وتكون كالمشخّصات له والعوارض الَّتي يختلف بها الطبيعة الواحدة النوعيّة . وأفضل مستودع استودعهم فيه حظائر قدسه ومنازل ملائكته وهو خير مستقرّ أقرّهم فيه ومحلّ كرامته « فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ » وتناسخ الأصلاب لهم إلى مطهّرات الأرحام نقلهم إليها نطفا ، وكرائم الأصلاب : ما كرم منها وحقّ لأصلاب سمحت بمثلهم أن توصف بالكرم . ومطهّرات الأرحام : ما طهر منها وحقّ لما استعدّ منها الإنتاج مثل هذه الأمزجة وقبولها أن تكون طاهرة من كدر الفساد . والشيعة يطهّرون أصول الأنبياء من طرف الآباء والأمّهات عن الشرك ونحوه قول الرسول صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم : نقلنا من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكيّة . ويحتمل أن يريد بأفضل مستودع وخير مستقرّ في مبدئهم أصلاب الآباء وأرحام الأمّهات ويكون قوله : تناسختهم تفسيرا له وبيانا . وقوله : كلَّما مضى منهم سلف قام بدين اللَّه منهم خلف . إشارة إلى ضرورة وجود الأنبياء عند الحاجة إليهم على التعاقب ، وقد سبقت الإشارة إليه . وقوله : حتّى أفضت كرامة اللَّه إلى محمّد صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم . إلى قوله : أمناءه . إشارة إلى غاية سلسلة الأنبياء عليهم السّلام ، وكنّى بكرامة اللَّه عن النبوّة واستعار لفظ المعدن والمنبت والمغرس لطينة النبوّة وهى مادّته القريبة الَّتي استعدّت لقبول مثله ، ووجه الاستعارة أنّ تلك المادّة منشأ لمثله كما أنّ الأرض معدن الجواهر ومغرس الشجر الطيّب ، وظاهر أنّ أصلا سمح بمثله أفضل المعادن وأعزّ الأصول ، وقيل :